فخر الدين الرازي

533

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

السؤال الأول : الموصوفين بهذه الصفة كفار . والكفر أقبح وأخبث من الفسق ، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم . السؤال الثاني : أن الكفار كلهم فاسقون ، فلا يبقى لقوله : وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ فائدة . والجواب عن الأول : أن الكفار قد يكون عدلًا في دينه ، وقد يكون فاسقاً خبيث النفس في دينه ، فالمراد هاهنا أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود أَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ في دينهم وعند أقوامهم ، وذلك يوجب المبالغة في الذم . والجواب عن الثاني : عين ما تقدم ، لأن الكافر قد يكون محترزاً عن الكذب ، ونقض العهد والمكر والخديعة ، وقد يكون موصوفاً بذلك ، ومثل هذا الشخص يكون مذموماً عند جميع الناس وفي جميع الأديان ، فالمراد بقوله : وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ أن أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة ، وأيضاً قال ابن عباس : لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب ، فلهذا السبب قال : وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام . أما قوله : اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ففيه قولان : الأول : المراد منه المشركون . قال مجاهد : أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاءه ، وترك حلفاء النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة . الثاني : لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود أعانوا / المشركين على نقض تلك العهود ، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك اليهود ، وهذا اللفظ في القرآن كالأمر المختص باليهود ويقوى هذا الوجه بما أن اللَّه تعالى أعاد قوله : لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [ التوبة : 10 ] ولو كان المراد منه المشركين لكان هذا تكراراً محضاً ، ولو كان المراد منه اليهود لم يكن هذا تكراراً ، فكان ذلك أولى . ثم قال : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ [ التوبة : 10 ] يعني يعتدون ما حده اللَّه في دينه وما يوجبه العقد والعهد ، وفي ذلك نهاية الذم . واللَّه أعلم . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 11 إلى 12 ] فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 11 ) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ( 12 ) اعلم أنه تعالى لما بين حال من لا يرقب في اللَّه إلا ولا ذمة ، وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدى ما حد له ، بين من بعد أنهم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كيف حكمهم ، فجمع ذلك الشيء بقوله : فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وهو يفيد جملة أحكام الإيمان ، ولو شرح لطال . فإن قيل : المعلق على الشيء بكلمة ( إن ) عدم عند عدم ذلك الشيء ، فهذا يقتضي أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا يحصل الأخوة في الدين ، وهو مشكل لأنه ربما كان فقيراً ، أو إن كان غنياً ، لكن قبل انقضاء الحول لا تلزمه الزكاة .